الرئيسيةلقاءاتدراوشة: "إسرائيل" تحارب الصحفيين الفلسطينيين بالدماء

دراوشة: “إسرائيل” تحارب الصحفيين الفلسطينيين بالدماء

الإعلام الفلسطيني في خضم الحرب: قيود وإغلاق واستهداف مباشر

* ما يميز هذه الحرب بشكل واضح هو التقييد الشامل على المعلومات

*رفضت دخول غزة عبر دبابة اسرائيلية.. وهذه كانت اللحظة الأقسى خلال التغطية

رام الله – المحرر – باسم حسيبا – يشهد الإعلام الفلسطيني أياماً عصيبة في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان، التي تدور رحاها ليس في الميدان فحسب،  بل تجري تفاصيلها كذلك عبر الشاشات. هذه الحرب لا تقتصر على نقل الصورة والحقيقة فحسب، بل تتعداها إلى مواجهة مباشرة تستهدف المؤسسات الإعلامية والصحفيين، الذين يُكبلون بالقيود، ويُمنعون من ممارسة عملهم بحرية.

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، تواجه القنوات العربية والغربية الداعمة للقضية الفلسطينية تحديات جسيمة، حيث تُصنع الأحداث. قرارات الإغلاق لمكاتب إعلامية كقناتي “الجزيرة” و”الميادين” بأوامر قضائية إسرائيلية، ومنع الصحفيين من تغطية الأحداث، لم تكن سوى البداية. اليوم، أصبح الصحفي الفلسطيني مهدداً بالاعتقال ومستهدفاً بالقتل.

“حول هذه الأوضاع المعقدة، يتحدث مراسل التلفزيون العربي  أحمد دراوشة لـ”المحرر” عن تجربته الميدانية في تغطية الحرب منذ اندلاعها، وعن التحديات التي يواجهها كصحفي فلسطيني في الخطوط الأمامية”. وفيما يلي نص اللقاء:

نظرة عداء تجاه الصحفيين

*بصفتك  إعلامياً فلسطينياً تحمل الجنسية الإسرائيلية، ما الصعوبات التي واجهتها خلال تغطيتك للحرب على غزة ولبنان، وكيف أثرت هذه الصعوبات على عملك الصحفي مع استمرار التصعيد حتى الآن؟

سهّلت الجنسية الإسرائيلية تنقلي داخل الخط الأخضر من موقع إلى آخر، لكنها لم تحمِني من التحديات الجوهرية التي واجهتها، فاسرائيل في هذه الحرب مختلفة عن الحروب السابقة. هناك تقييد للوصول إلى مناطق القتال، خاصة في غلاف غزة، ما يمنعنا من تغطيتها بشكل مباشر.

إضافة إلى ذلك كوننا عرباً بالدرجة الأولى، والعداء في المجتمع الإسرائيلي لكل من يتحدث اللغة العربية بات واضحاً وصريحاً، ولا يهمهم أي قناة نمثل ، أو الخطاب الذي نحمله، ناهيك عن الاعتداءات والتهديدات الكثيرة التي تلقيناها من المدنيين والصحفيين وعناصر الأمن الإسرائيلي، ما دفعنا إلى تغيير مواقعنا باستمرار حفاظاً على سلامتنا.

علاوة على ذلك، نعاني من تقييد شديد في الوصول إلى المعلومات، فالرقابة العسكرية الإسرائيلية شديدة هذه المرة، وتخفي تفاصيل مهمة  بوجه خاص عن الصحافيين العرب الذين إما تعتبرهم أعداءً، أو تتعامل معهم  كونهم قناة لنقل الرسائل والتهديدات إلى لبنان وغزة. فـ”إسرائيل” لا تنظر  إلينا بأننا صحافيون، بل أعداء وقنوات لنقل التهديدات وتوجيه الرسائل.

تقييد شامل على المعلومات

* كيف تحارب إسرائيل الإعلام العربي والفلسطيني على وجه الخصوص؟

ما يميز هذه الحرب بشكل واضح هو التقييد الشامل على المعلومات، وهو أمر لم يستهدف الصحفيين الفلسطينيين والعرب فقط، بل امتد ليشمل الإعلام الإسرائيلي ذاته، كما أقرّ بذلك بعض الباحثين الإسرائيليين. يبدو أن الهدف كان منع الإعلام العربي من الوصول إلى المعلومات، في ظل رؤية إسرائيلية مشوهة لكل ما يتعلق بالصحفيين العرب، واعتبارهم غير جديرين بالثقة رغم معرفتهم العميقة بالقضية الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء.

الصحفيون العرب يتمتعون بخبرة كبيرة في هذا الملف، ويدركون أبعاده التاريخية والسياسية جيدًا، ما يجعلهم أقل عرضة للوقوع في الفخاخ الإسرائيلية التي قد يقع فيها الصحفيون الأجانب. ومع ذلك، شهدنا خلال هذه الحرب تصعيدًا غير مسبوق من الاستعلاء الإسرائيلي تجاه الصحفيين العرب، تمثل في رفض التعاون معهم أو منحهم التصريحات الأمنية التي تمكّنهم من الوصول إلى مناطق القتال، إضافة إلى محاولة فرض رواية إسرائيلية موحدة.

أجهزة الرقابة الإسرائيلية لم تكتفِ بذلك، بل تواصلت مع الصحفيين العرب مباشرة، مهددة وملاحقة لهم، بينما لعبت وسائل الإعلام الإسرائيلية دورًا في تشويههم. الأخطر من ذلك كان الاعتداءات المباشرة من قبل عناصر الأمن الإسرائيلي.

لكن الخطورة الكبرى كانت في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث وصلت الممارسات إلى حد الاغتيال المباشر. خلال العام الماضي فقط، استُشهد أكثر من(100) صحفي في قطاع غزة، استُهدفوا عمدًا بذريعة ارتباطهم بحركة حماس. هذه المرّة إسرائيل حاربت الصحفيين الفلسطينين بالدماء.

حالة سُعار في “اسرائيل”

*كونك مراسلاً ميدانيّاً، كيف تحمي نفسك خلال تغطية الأحداث المباشرة في مناطق القتال أو في المظاهرات التي تحصل في تل أبيب؟

كإعلام عربي ليس لدينا مصادر معلومات خاصة، ونرفض التعامل مع المؤسسة الإسرائيلية، كما ترفض التعاون معنا بدورها. فكل ما نبثّه من بيانات مصدره إسرائيلي، كالإسعاف، والجيش، ووسائل الإعلام، ومصادر إسرائيلية عالمية، وبالتالي نحمي أنفسنا من الملاحقة القضائية، وحتى لو شاهدت حدثاً ما بأم عيني لا أنشره إلا إذا قامت جهة أمنية أو إعلامية بالإعلان عنه.

لا يوجد  نقاش في حماية أنفنسنا من حدث ما في المنطقة، فالطريقة الوحيدة هي المغادرة فوراً من مكانه، ففي موقف ما شُتمتُ مباشرة على الهواء بأننا الفلسطينيون ” إرهابيون ” بعد تحدثي باللغة العربية خلال تغطيتي لحدث أمني، فغادرت فوراً تجنباً لحالة السُّعار، وأوقفت التسجيل.

مواقف صعبة

*هل ترددت مرّة في الذهاب لتغطية حدث ما؟

نعم ترددت في تغطية حدث مرة ورفضته طبعاً، لأن المشاهد كانت مقززة! كان في غلاف غزة، الشرطة والجيش الإسرائيليين، جمعوا مقاتلي حماس الذين عبروا في السابع من أكتوبر إلى الغلاف من غزة، بعد أن قتلوهم عراة فوق بعضهم في نقطة تجمع، والصور التي انتشرت من هناك كانت قاتلة وقاهرة، كانوا ينكلون بهم ويقطعون أوصالهم، ففضلنا طبعاً عدم تغطية هذا الأمر، وتجنبنا الذهاب إلى الموقع.

كما رفضت دعوات من الجيش الإسرائيلي للدخول إلى قطاع غزة عبر دبابة، لأنني لا أدخل إلى أي مكان على ظهر دبابة إسرائيلية.

*ما الحدث الأصعب الذي واجهته خلال الحرب؟

أصعب المواقف، طُلبَ منّي تغطية مباشرة للتطورات الميدانية، فإذ يصل بيان من منظمة “بتسيلم ” الإسرائيلية  يتحدث عن تدمير الجيش الإسرائيلي لقرية خزاعة بالكامل. أنا أعرف أن منتج النشرة – محمود قديح وهو من خزاعة، وقضى السنوات الأخيرة من عمره وهو ينتقل من دولة إلى أخرى، ويعمل ليوفّر من أجل بناء منزله هناك. كانت أقسى لحظة عليّ خلال التغطية. وكأنني كنت أبشر منتج التغطية بتدمير قريته وحياته على الهواء مباشرة.

قنوات عربية تنحاز للرواية الإسرائيلية

* ختاماً، كيف ترى مستقبل الحرب الإعلامية ضد الإعلام الفلسطيني والإعلام الداعم لفلسطين وقضيتها؟

على المستوى الصحافة الدولية،  واضح أن هناك تراجعاً للقضية الفلسطينية، رغم أن إسرائيل تتحدث العكس للتضييق على الإعلام الداعم للقضية، وللأسف جزء كبير من الإعلام العربي لا ينحاز إلى القضية الفلسطينية بتاتاً، وهذا أصبح واقعاً، وهناك قنوات إعلام بعينها تتبنى الرواية الإسرائيلية أو الرواية المحايدة.

 في الغرب أكثر حرية، لكن هناك نظرة مشرقة، هي وسائل التواصل الاجتماعي والصحفيون المستقلون، وكذلك مواقع التحقيقات الجديدة التي ظهرت في الفترات الأخيرة، وهي تهتم بالقضية الفلسطينية بشكل كبير، وتأثيرها يزداد في الدول الغربية بشكل واضح، رغم قلة الموارد المتاحة. هذا أمر مهم لدعم القضية، ومهم في ظل التشكيك في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وأيضاً مهم على ضوء المحاصرة التي يتعرض لها الفلسطينيون في وسائل الإعلام المركزية.