نابلس-المحرر- حلا خطيب- شيئاً فشيئاً، أصبحت أصوات طحن القمح في مدينة نابلس تتلاشى، حيث أضحى الطحين لا يملؤ فراغات الكيس الواحد، وأفتقد شارع يافا شرق المدينة إلى رائحة الطحين البلدي الطازج، فقد أصبحت مطحنة (الأدهم) هي مجرد رمز تاريخي، وتحولت شقوق جدرانها إلى حكايات تروي تاريخ أصحابها على مر السنين .
يجلس ناجي الأدهم (83) عاماً صاحب مطحنة الأدهم بجانب مجموعة من الآلات البالية الخاصة بطحن الدقيق بعيون مليئة بالشوق لسنوات مضت حيث تحول صوت الالات من ضجيج مرتفع الى صمت مخيف .
سنوات مضت على ايقاف تلك الآلات، حيث أصبح طحن الدقيق بمثابة تقاليد قديمة لا يلجأ لها سوى شخص محتاج، فمعظم العائلات أصبحت لا تنتج الخبز بل تلجأ الى الأفران والمخابز لتأمين خبزها اليومي نتيجة انتشار العديد من تلك المخابز في المدينة والتي تصل الى حوالي ثمانين فرنا تعتمد على الطحين المستورد من الدول الأجنبية، بينما اختار معظم مالكي مطاحن الدقيق إغلاق أبواب رزقهم نتيجة الأوضاع الراهنة، حيث أصبحت هذه المهنة لا تجدي نفعا ولا تطعم خبزاً.
كانت نابلس تحوي خمس مطاحن، في وقت من الأوقات تعتمد على الطرق القديمة، أغلقت أربع منها، وبقيت مطحنة “الأدهم” تفتح أبوابها يومياً، فلا يزال هذا الثمانيني فاتحاً أبوابه المتسخة بذرات الدقيق الأبيض الذي أصبح يفتقد أصوات الحياة بداخل هذه الجدران الهشة، فمضى نحو أكثر من سبعين عاماً على أصوات ضجيج هذه الآلات مصطحبة أصوات الزبائن بمزيج من أصوات الباعة بالخارج، فاليوم لم يعد يوجد يوجد سوى صوت الأدهم برفقة مجموعة من جيرانه البائعين وبضع باعات ينادون باسم خضراواتهم .
على كرسي أصفر بالي، يجلس الأدهم يومياً يتأمل زقاق الشارع على أمل وصبر أن يحالفه حظ عودة هذه الآلات للحياة مجدداً، في ذلك الوقت وعلى ذلك الكرسي روى لنا الأدهم تاريخ ذرات الدقيق المتناثرة هنا وهناك.
يقول الأدهم “أصبحت مسيراً للعمل في هذه المطحنة عندما كنت في سن السادسة عشر، في ذلك الوقت عملت برفقة والدي والعاملين في داخل هذه المطحنة، كان جدي الحاج مسعود الأدهم أول من أدخل فكرة مضخات المياه الألمانية للبلاد في عام 1945 “.
ويضيف”كانت هذه المطحنة في زمن جدي تستخدم الحجارة الكبيرة في طحن الدقيق، حيث كان حجر الطحن إذا ضعف ضخ المياه عنه لا يدور، فلجأ جدي إلى هذه المضخات الألمانية لمساعدة الحجارة على الدوران، وبعد عدة سنوات جاءت فكرة آلات الطحن الكبيرة، بدأنا العمل من خلال هذه آلالات لفترة زمنية طويلة ثم أصبحت هذه الآلات قديمة جداً، وتعد من العادات القديمة للغاية لدى معظم الأفراد، خاصة عندما بدأت فكرة المخابز بالانتشار”.
رغم مضي السنوات، وقلة العمل، لا يزال الأدهم مصراً على فتح أبواب هذه المطحنة، فهيأنها تعتبر مصدر رزقه الوحيد منذ زمن طويل، سابقاً كانت أعداد الناس قليلة جداً، وكانوا يتوجه العديد منهم إلى مطاحن القمح للحصول على دقيق خبزهم، لذلك كانت تعمل بشكل مستمر وعلى مدار الساعة، أما اليوم ونتيجة لتغير الزمن وزيادة أعداد الأفراد، أصبح العديد منهم يرغبون في الحصول على الخبز الجاهز ليريحوا أنفسهم.
يقول الأدهم “يشتري الناس الخبز دون التدقيق في أصل الطحين ونوعيته، وانتشرت العديد من الأمراض التي أصبحوا سمعون عنها”، معتقداً أن ذلك سببه تناول الخبز المغشوش أو غير الصحي، حيث تعتمد معظم المخابز في بيعها على الدقيق الأبيض المستورد من الدول الأجنبية أو قيامهم بخلط “النخالة ” والقليل من الدقيق الأبيض وقطع السكر من أجل الحصول على خبز يطلقون عليه “خبزاً بلدياً”، والذي يرى بأنه أصبح بمثابة “بلاء” على معظم الأفراد، وسبب في إغلاق معظم مطاحن القمح في مدينة نابلس.
الأدهم حكايات مخفية بين طيات الزمن ترويها بضع حبوب قمح متناثرة أرضاً، يملؤها غبار السنين وآلات تشتاق لتحريك ما بداخلها من طاقة، ورجل يشتاق للحظات كانت تجمعه برفقة أكياس مليئة بالطحين لتصبح بين ليلة وضحاها مجرد أكياس فارغة، وبضع ذرات من الدقيق تذرها الرياح، ورغم ذلك، لا يزال الأدهم متمسكاً بحرفة أجداده، صابراً على مر العيش، واثقاً أن هذه الآلات ستعود بضجيجها مجدداً رغم تغير الزمن وتبدل الأحوال.