جنين-المحرر-مريم عطية-لليوم الخامس والخمسين على التوالي، واصلت قوات الاحتلال اجتياح مخيم جنين، في واحدة من أعنف العمليات العسكرية التي شهدها المخيم منذ سنوات. ومع تصاعد هجمات الاحتلال، يواجه المواطنون في المخيم حصاراً خانقاً ودماراً ممنهجاً للبنية التحتية، ما حول المخيم إلى ساحة حرب مفتوحة. ورغم القصف والتوغلات المتكررة، يواصل الأهالي صمودهم في مواجهة الحملة.
بدأت الحملة العسكرية في 21 كانون الثاني2025، حيث استخدمت قوات الاحتلال دبابات وجرافات ثقيلة، مصحوبة بعدد ضخم من الجنود الذين اجتازوا الشوارع الرئيسية في مدينة جنين. كما فرض الاحتلال طوقاً عسكرياً مشدداً على المخيم، ما أدى إلى شل حركة المواطنين ومنع وصول الإمدادات الغذائية والطبية. وسرعان ما وصلت أعداد كبيرة من آليات الاحتلال، بما في ذلك جرافات “دي-9” العسكرية، التي اقتحمت المخيم والمدينة بشكل غير مسبوق مقارنة بالاقتحامات السابقة.
هذه العمليات البرية، التي لم يشهد المخيم مثلها منذ أكثر من عقدين، ترافقت مع هجمات جوية مكثفة باستخدام الطائرات المسيرة (الدرونز) لأغراض المراقبة واستهداف المقاومة الفلسطينية. وقد شهدت الأيام الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الاشتباكات، حيث استخدم الشباب الفلسطينيون الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة محلية الصنع لمقاومة الاقتحامات المستمرة.
وفي تطور خطير، أفاد موقع “واللا” العبري بأن وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أصدر تعليماته بمواصلة العمليات العسكرية في مخيمات شمال الضفة الغربية حتى نهاية العام الجاري، مشدداً على ضرورة “استمرار الضغط الأمني المكثف” لتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة. كما أضاف الموقع أن الجيش الإسرائيلي يعتزم توسيع نطاق عملياته لتشمل مزيداً من القرى والمخيمات في الضفة الغربية، مع تركيز خاص على استهداف البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية وتكثيف حملات الاعتقال.
وبحسب لما أفادت به وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفع عدد الشهداء في محافظة جنين إلى 36 شهيداً، بينهم امرأتان وستة أطفال، ومن المتوقع زيادة الرقم مع استمرار العدوان الإسرائيلي في مخيم جنين. في الأيام الأخيرة، تصاعدت المواجهات بشكل ملحوظ، حيث لجأ الشباب الفلسطينيون إلى استخدام الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة محلية الصنع لمقاومة الاقتحامات المتكررة. وأسفرت هذه الاشتباكات عن وقوع إصابات عديدة بين الجنود الإسرائيليين، مما يعكس صمود الفلسطينيين في مواجهة ما وصفوه بآلة الحرب الإسرائيلية.
وأسفرت العمليات العسكرية الأخيرة في مخيم جنين عن نزوح قسري لنحو 21 ألف فلسطيني، أي ما يعادل 90% من سكان المخيم. وفقاً لما ذكره محمد جرار، رئيس بلدية جنين. وخلال الاجتياح، قامت قوات الاحتلال بتدمير 512 منزلاً ومنشأة بشكل كامل أو جزئي باستخدام الجرافات العسكرية والغارات الجوية التي استهدفت المباني السكنية، ما أدى إلى انهيار أجزاء كبيرة منها. وفي هذا السياق، أشار مدير بلدية جنين، ممدوح عساف، إلى أن الاحتلال قد جرف 100% من المخيم، بينما تضرر حوالي 85% من شوارع المدينة. كما أُغلقت نحو 8000 منشأة تجارية بشكل كامل. وأوضح عساف أن التدمير طال جميع جوانب الحياة في المدينة، من بنية تحتية ومساكن ومنشآت تجارية. هذا التدمير الممنهج ساهم بشكل كبير في تفاقم الأزمة الإنسانية وزيادة معاناة السكان النازحين، الذين أصبحوا يواجهون نقصاً حاداً في الموارد الأساسية في ظل غياب شبه كامل للحماية والمواد الإغاثية.
وفي خضم هذا الصراع الدموي، كانت هناك جريمة أخرى يرتكبها الاحتلال، لإغلاق مستشفى جنين الحكومي السواتر الترابية ومع استمرار الهجمات، تعرضت العيادات الطبية داخل المخيم للمداهمة، وتم احتجاز الطواقم الطبية لفترات طويلة، مما فاقم الأزمة الصحية في مدينة جنين، مما أدى إلى تعطيل عمليات الإسعاف ونقل الجرحى.
“حاولنا دخول المخيم لتقديم المساعدة، لكن الاحتلال منعنا من ذلك. زادت الإصابات بشكل كبير، حيث كان العديد من الجرحى ينزفون في الشوارع وأمام المنازل”. شهادة المسعف نضال نغنيغة، وأكمل “لدينا مسعفون متطوعون داخل المخيم يستخدمون عربات صغيرة لنقل الجرحى، لكن قناصة الاحتلال يترصدون أي حركة في الشوارع، ويطلقون النار مباشرة. حتى المسعفون المتطوعون استُهدفوا”. وعلى الرغم من محاولات فرق الإسعاف للتنسيق لدخول المخيم، إلا أن الاحتلال لم يُظهر أي استجابة لتسهيل مرورهم.
وفي ظل الاجتياح الدموي، دعت اللجنة الإعلامية في جنين المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية إلى التدخل الفوري والعاجل لوقف الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين. كما شددت على ضرورة توفير الاحتياجات الأساسية للأهالي النازحين والمحاصرين في المخيم، بما في ذلك الدعم الطبي والغذائي.
ورغم حجم المأساة الإنسانية التي يعايشها المخيم، يظل صمت المجتمع الدولي يشبه الجريمة نفسها. لا قرارات، لا تحركات جادة، بل فقط كلمات لا تلبث أن تذهب مع الريح. وفي الوقت الذي تتفاقم فيه المأساة، تظل الأيادي الفلسطينية مرفوعة تدافع عن حقها في العيش بحرية وكرامة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى سيظل هذا الصمت؟ وما الذي ينتظر فلسطين بعد 55 يوماً من الدماء والتدمير؟