رام الله-المحرر – محمد جميل – يعاني المشهد الفني الفلسطيني، وخاصة مشهد الموسيقى المستقلة، تراجعًا ملحوظًا مثيراً للقلق، لا سيما ما بعد العام 2023، الذي فرض بطبيعة الحال واقعًا سياسيًا واقتصاديًا شديد التعقيد، وتضاعفت فيه التحديات التي تواجه الفنانين المستقلين، لتلقي بتأثيراتها بشكل كبير على إنتاجاتهم وتأثيرهم.
وفي سبيل تتبع وفهم هذا التراجع والوقوف على تفاصيله، جرى توجيه السؤال إلى ثلاثة فنانين مستقلين في مشهد الموسيقى المعاصرة المستقلة.
“عاصفة – فنان راب مؤسس لمشهد الراب الفلسطيني”: الفن الفلسطيني انطفأت شعلته في وقت الحاجة له
يرى فنان موسيقى الراب “عاصفة” أن “معظم الفنون الفلسطينية قد انطفأت جذوتها في فلسطين في وقت الحاجة لها، نظرًا للظروف السياسية في المقام الأول، إضافة إلى قصور يتحمل مسؤوليته عديد من الجهات الرسمية وغير الرسمية الداعمة للفنانين، مع مراعاة ما قد تتعرض له جميع المستويات الداعمة من ضغوطات وصعوبات”.
ومع ذلك، يشير”عاصفة” إلى أن “هنالك كثير من الفنانين، رغم ضعف الإسناد الرسمي وغير الرسمي لهم، لم يتوانوا للحظة واحدة عن تقديم جهودهم في كل لحظة، والوقوف مع أبناء شعبهم الفلسطيني في هذه الأوقات الدقيقة والحساسة التي يشهدها الفلسطينيون من تصفية لهم ولقضيتهم على الصعد كافة”.
ويدعو “عاصفة” إلى ضرورة تركيز الفنانين على “القضايا الرئيسة والحساسة ذات الأولوية، لا الانقطاع والتركيز على الفردانية والإنجاز الشخصي الموسيقي دون الاتصال بالواقع وتحدياته”.
ويتساءل عاصفة: “ما هو دور الفنان والمثقف العضوي إذا لم يكن متصلًا اتصالًا حقيقيًا ومباشرًا بهموم أبناء شعبه ومنطقته؟”.
“الاركتكت – فنان موسيقى كلاسيكية شرقية ومعاصرة، كاتب أغاني ومؤدي راب”: مشهد الموسيقى في انحدار وتطور في آن معًا
يصف “الآركتكت” مشهد الموسيقى في فلسطين بأنه “في انحدار وتطور في آن معًا، لاسيما ما بعد تداعيات العام 2023″، مبيناً أن “قِلة الاهتمام بالفن نابعة من انشغال الناس بما هو أولى، وأقصد هنا النجاة من القتل والتهجير الممنهجين اللذين كانا ولا زالا يحومان فوق رؤوس الجميع”.
ويضيف “الآركتكت”: ” أرى بشكل أو بآخر، أن الموسيقيين أنفسهم تغاضوا عن إصدار أعمالهم وبثها وإرجائها لأوقات أخرى، تبعاً للأوضاع السياسية، حتى أصبح الركود سيد الموقف في المشهد الفني الفلسطيني المستقل”.
ويؤكد “الآركتكت” أن “الفنون، وبكونها إرثًا ثقافيًا مهماً، فهذا لا يعني أنها بوسعها أن تقدم حلولًا مباشرة وسريعة للقضايا المركزية مثال القضية الفلسطينية أو غيرها، لكنني شخصياً أؤمن بالمراكمة الفنية، والتأثير بعيد الأمد الذي سيفضي يوماً إلى رفع موجنا عالياً وإرساء سفننا في محطات ومآلات جديدة”.
ويشير “الآركتكت” إلى أن تجربته الشخصية في إنتاج آلبومه الأخير “بوصلة” كانت “محاولة للتشافي من هذا العالم الذي أثبت عدم نزاهته واتزانه، ناهيك عن عدم موثوقية وضعف مؤسساته الدولية”.
ويختم “الآركتكت” مشيراً إلى أن الفنان الفلسطيني وخاصة المستقبل مرهون استمراره فنياً بقدرته على أن يقتات معيشياً من الموسيقى، وهذا ما يصعب تحقيقه للأسف في المدن الفلسطينية لعدة أسباب وعلى رأسها عدم توفر فرص العمل المناسبة لهم في مجال الموسيقى”.
“خليل ترجمان – موسيقى وعازف قيثار”: تحديات جمة تواجه الفن الفلسطيني
يرى ترجمان أن واقع الفن الفلسطيني “واقع صعب للغاية”، ويتابع أن “هناك تحديات كبيرة يواجهها الفنان الفلسطيني، تتداخل مع الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية”.
ويحدد ترجمان ثلاثة أسباب أساسية تؤثر في هذا الواقع وهي: “غياب الاستقرار السياسي، والوضع الاقتصادي السيئ، وثقافة تقبل الفنون”.
ويوضح ترجمان ” تتعذر إقامة كثيرٍ من العروض الفنية التي تعتبر المصدر الأساسي لدخل الفنان الفلسطيني، خاصة في ظل ما تشهده بلادنا، وهذا بدوره يُدخل الفنانين في حالة من الجمود”.
ويشير “ترجمان” إلى أن “الفرق الموسيقية الفلسطينية، محكومة للأسف بالظهور في فترات الرخاء فقط، بينما تشتد الضغوط عليها في الأوقات الصعبة للعوامل سالفة الذكر”.
إن شهادات الفنانين الثلاثة، “عاصفة” و”الآركتكت” و”خليل ترجمان”، رسم ملامح هذا التراجع، لكنها في الوقت نفسه تحمل في طياتها دعوات “عاصفة” إلى الفن الملتزم، وتأكيد “الآركتكت” على قوة المراكمة الفنية وتأثيرها بعيد المدى، وتشخيص “ترجمان” الدقيق لواقع التحديات.