نابلس-المحرر- رهف جيتاوي-شهدت أسواق الضفة الغربية في الآونة الأخيرة ارتفاعًا حادًا في أسعار اللحوم الحمراء، حيث بلغ سعر كيلو لحم الخروف(110) شواقل، ما زاد من أعباء المواطنين المعيشية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. هذا الارتفاع أثار تساؤلات حول أسبابه وتداعياته على المستهلكين والقطاع الزراعي.
أسباب الارتفاع
يعود ارتفاع أسعار اللحوم إلى عدة عوامل؛ أبرزها تهريب الخراف إلى الأسواق الإسرائيلية، ما أدى إلى نقص المعروض المحلي وارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى ذلك ساهمت قلة الاستيراد وارتفاع الضرائب والرسوم الجمركية على اللحوم المستوردة بزيادة الأسعار؛ كما أن ارتفاع تكاليف الأعلاف أثر بشكل مباشر على تكلفة تربية المواشي، ما انعكس على أسعار اللحوم.
جمعية حماية المستهلك: تقصير حكومي واستغلال تجاري
في ظل هذا الارتفاع دعت الدكتورة فيحاء البحش رئيسة جمعية حماية المستهلك الجهات المسؤولة إلى التحرك لضبط الأسعار وضمان توفير الكميات المناسبة بأسعار معقولة. وأكدت البحش أن هناك تقصيرًا واضحًا من وزارة الزراعة في التعامل مع الأزمة، حيث لم تُتخذ إجراءات فورية لضمان استقرار السوق، ما أدى إلى نقص في الكميات المتوفرة وارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر.
وأشارت إلى أن بعض المحافظات شهدت قفزة غير مسبوقة في الأسعار، ما دفع إلى دعوات لمقاطعة اللحوم كوسيلة للضغط على التجار لتخفيض الأسعار.
وأضافت أن الأزمة الحالية تتطلب وعيًا أكبر منقبل المواطنين، إلى جانب دور فاعل للمؤسسات المسؤولة والتجار، مؤكدة على ضرورة فرض رقابة مشددة لمنع أي تلاعب في الأسعار أو الجودة.
نقابة أصحاب الملاحم: غياب الدعم واحتكار السوق
من جانبه، أوضح نقيب أصحاب الملاحم الأستاذ عمر النبالي أن هذه الأزمة ليست جديدة؛ بل هي نتيجة تراكمات ناجمة عن غياب الدور الحقيقي لوزارتي الزراعة والاقتصاد في دعم الثروة الحيوانية المحلية. وأشار النبالي إلى أن المزارعين الفلسطينيين تُركوا يواجهون تحديات كبيرة، بدءًا من المضايقات الإسرائيلية التي تستهدف المراعي وآبار المياه، وصولًا إلى ارتفاع أسعار الأعلاف وغياب أي دعم حكومي لهم، مثل تخفيض الضرائب أو توفير اللقاحات والعلاجات البيطرية. هذا الإهمال أدى إلى تراجع الإنتاج المحلي، ما جعل السوق الفلسطيني أكثر اعتمادًا على اللحوم المستوردة، وفتح المجال أمام التجار للتحكم في الأسعار دون رقابة.
احتكار المستوردين وغياب الشفافية
أوضح النبالي أن سوق اللحوم في فلسطين ينقسم إلى أربع فئات رئيسية: المزارعون المحليون، الجزارون (أصحاب الملاحم)، والتجار المحليون، والمستوردون من الخارج والذين أصبحوا الفئة الأكثر سيطرة على السوق بسبب شح الثروة الحيوانية المحلية.
وأكد أن المستوردين يتحكمون بالأسعار دون أي رقابة حقيقية من وزارة الاقتصاد الوطني، التي من المفترض أن تفرض عليهم قيودًا وتحدد هوامش ربح معقولة، لكن ذلك لم يحدث.
وأشار إلى أنه قبل حلول شهر رمضان، ارتفعت أسعار المواشي بشكل مفاجئ بمعدل(10) شواقل لكل كيلوغرام قائم، حيث قفز سعر الكيلو من 34-35 شيقلاً إلى 40 شيقلاً وأكثر، ما انعكس على أسعار اللحوم المباعة للمستهلكين. هذا الارتفاع بحسب النبالي لم يكن نتيجة لزيادة تكاليف الإنتاج؛ بل بسبب احتكار المستوردين للسوق ورفعهم الأسعار بشكل مبالغ فيه، مستغلين غياب الرقابة.
دعوات لتدخل حكومي عاجل
في ظل هذه الأوضاع، تتصاعد الأصوات المطالبة بتدخل حكومي حقيقي لضبط الأسعار، وتخفيف الأعباء عن المستهلكين، عبر اتخاذ إجراءات رقابية صارمة وضمان عدالة التوزيع في السوق.
وأكدت البحش أن المواطنين لم يعودوا قادرين على تحمل هذه الأسعار المرتفعة، مطالبة وزارة الاقتصاد الوطني بتكثيف الرقابة على التجار وضمان التزامهم بأسعار عادلة. كما شددت على ضرورة تدخل الحكومة لخفض الضرائب والرسوم الجمركية، ومنع تهريب اللحوم إلى الأسواق الإسرائيلية، وهو ما يفاقم الأزمة داخل الأراضي الفلسطينية.
الكوتة الجمركية: امتيازات تحتكرها قلة من التجار
يتطرق النبالي إلى قضية “الكوتة الجمركية”، وهي الحصة السنوية التي تسمح باستيراد(50) ألف رأس من المواشي بدون جمارك وفق اتفاقية باريس الاقتصادية؛ مشيراً إلى أن هذه الكوتة، من شانها أن توفر معروضا إضافياً وستقلل الأسعار.
آراء المواطنين وأصحاب الملاحم: معاناة يومية وتحديات مستمرة
توجهنا إلى الشارع الفلسطيني لاستطلاع آراء المواطنين حول ارتفاع أسعار اللحوم،فقد أعرب أحد المواطنين عن استيائه قائلاً: “لم نعد قادرين على شراء اللحوم كما في السابق، الأسعار مرتفعة جدًا وهذا يؤثر على موائدنا اليومية”.
من جهته، يقول صاحب ملحمة في طولكرم: “نحن أيضًا نعاني من هذه الأزمة، فارتفاع الأسعار يقلل من إقبال الزبائن ويؤثر على دخلنا”.
“الزراعة” توضح
وكان طارق أبو لبن الوكيل المساعد للقطاع الإقتصادي في وزارة الزراعة قال في تصريحات صحفية إلى أن الكميات من الخراف والماعز المتوفرة في السوق الفلسطينية على مدار السنة تصل إلى نحو مليون رأس، يوفر الإنتاج المحلي نحو650 ألف رأس قابلة للذبح وهي تشكل نحو80-85% من نسبة الاستهلاك المحلي التي تصل إلى قرابة 800 ألف رأس سنويا، فيما يتم توفير الباقي من خلال الاستيراد.
ونفى أبو لبن وضع أية عراقيل أمام الشركات الراغبة في الاستيراد من الخارج، وهو ما تعمل عليه الوزارة من خلال تحفيز الشركات لتوفير المعروض، مشيراً إلى أن الخطوات التي اتخذتها الوزارة على مدار الأشهر الماضية وفرت الكميات المطلوبة.
ولفت إلى أن الباب مفتوح دوماً أمام الشركات التي ترغب في الاستيراد وتلبي الشروط والمعايير الصحية اللازمة للحصول إلى الأذونات الخاصة، منوهاً إلى
أن الجانب الاسرائيلي هو من يفرض المعايير والشروط الخاصة باستيراد اللحوم وهي معايير بجودة عالية لا تستطيع أية شركة توفيرها.
ويضيف” مع ذلك يوجد لدينا 15 شركة فلسطينية تستورد المواشي وحاصلة على التراخيص اللازمة، والأمر ليس حكرا على جهات معينة، وهذه الشركات استطاعت توفير المتطلبات والشروط اللازمة لعمليات الاستيراد”، قائلاً إن عدد الشركات التي تستورد المواشي في فلسطين أكثر عمليا من دول أخرى أعلى من حيث عدد السكان.
ويتابع” لم يتقدم لوزارة الزراعة أية شركة صغيرة أم كبيرة لاستيراد اية أنواع من المواشي وكانت مستوفية للشروط إلا وحصلت على الأذونات اللازمة ولم يتم تعطيل أو تأجيل اية حالة”.
وأكد أبو لبن أن الوزارة تقوم بعدة خطوات على مدار العام لدعم الثروة الحيوانية وضمان توفير الإنتاج الكافي للاستهلاك، من بينها تقديم الإرشادات الكافية من قبل الوزارة لمساعدة المزارعين على تحسين المتابعة الصحية ووفق أسعار رمزية، بالإضافة إلى توزيع نحو 23 ألف طن من الأعلاف مجاناً بدعم حكومي لعدد من المزراعين.
ونفى أبو لبن وجود أية علاقة بين ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء حاليا وبين حجم المعروض، مرجعا الأسعار الحالية لعدة أسباب، من بينها ارتفاع تكاليف الإنتاج سواء من حيث صعود أسعار الأعلاف عالميا بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وكذلك تضرر مربي الثروة الحيوانية في فلسطين من الاستيطان الرعوي الذي ألقى بظلاله على تكاليف الانتاج، مشيراً إلى أن سرقات المستوطنين، للإغنام من مربي الثروة الحيوانية ومنعهم من الوصول إلى المراعي زاد من تكاليف الإنتاج.
وعدد أبو لبن أسبابا أخرى قادت إلى الارتفاع منها قلة اهتمام بعض المزارعين بثروتهم الحيوانية ما قلل من إنتاجيتها واصابتها أمراض، منوها إلى أن كل هذه الأسباب رفعت سعر كيلو اللحم الحي من الخراف من 35 شيقلا خلال عام إلى نحو 40 شيقلا. ونوه إلى أن السعر العادل للحم كيلو الخاروف بعد احتساب كافة تكاليف الإنتاج وهامش ربح التاجر هو 90 شيقلا.
ولفت إلى أن وزارة الاقتصاد الوطني تعمل على مراقبة السوق للتأكد من التزام أصحاب الملاحم بالقائمة الاسترشادية التي أعلنت عنها والتي حددت سعر كيلو لحم الخاروف بـ90 شيقلا،لافتاً إلى أن القانون يخول وزير الاقتصاد الوطني اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
وأضاف” قانون حماية المستهلك يخول وزير الاقتصاد الوطني خاصة في ظل الأزمات، اتخاذ الإجراءات اللازمة قانونيا لضبط الأسعار، والجميع يدرك حجم الوضع الذي نعيشه والذي تسبب بأكثر من 40 ألف نازح في شمال الضفة، بالإضافة إلى التضييق الاقتصادي الكبير، وكذلك حرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة”، مطالبا بضرورة انفاد القانون على المخالفين.
وحول الارتفاع في أسعار لحم العجل والذي وصل سعر الكيلو إلى 65 شيقلا، نوه أبو لبن إلى أن الإنتاج المحلي للحم العجول يشكل فقط 15% من حجم الاستهلاك، بينما 85% يتوفر من خلال الاستيراد وخاصة من “اسرائيل”، مشيراً إلى أن أسعار لحم العجل هي انعكاس لارتفاع أسعار العجول داخل الخط الأخضر، والتي زادت لعدة عوامل منها ارتفاع تكاليف الإنتاج، وفرض رسوم على البضائع الزراعية، وارتفاع كلفة الشحن البحري.
وتوقع أبو لبن أن تشهد أسعار اللحوم الحمراء انخفاضا نسبيا بعد نهاية شهر رمضان المبارك، قائلا” سنجتمع مع المزارعين والتجار ونبحث آليات تضمن دفع الأسعار نزولا، مع الحفاظ على مصالح الأطراف المختلفة”.
نحو حلول جذرية ومستدامة
أزمة ارتفاع أسعار اللحوم في الضفة الغربية تتطلب تضافر جهود جميع الجهات المعنية، من حكومية ورقابية وزراعية، لضمان توفير اللحوم بأسعار مناسبة للمواطنين، ودعم المزارعين المحليين، وضبط عمليات التهريب والاحتكار التي تضر بالاقتصاد الوطني والمستهلك الفلسطيني. التحرك السريع والجاد أصبح ضرورة ملحة لتخفيف الأعباء عن كاهل المواطن الفلسطيني في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.