الرئيسيةتقاريرالاعتقال الإداري.. سجن بلا تهمة ومعركة بلا نهاية

الاعتقال الإداري.. سجن بلا تهمة ومعركة بلا نهاية

نابلس-المحرر-رويدة صلاح– في كل مكان وزمان، يحقّ للإنسان أن يعتنق الحرية، فهي ليست امتيازاً بل حق طبيعي مكفول لكل فرد. لكن في فلسطين هذا الحقّ يُنتزع قسرًا على يد الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يرى في حرية الفلسطينيين إلا تهديدًا لمشروعه الاستعماري.

غياب للعدالة

قضية الأسرى الفلسطينيين تقف في قلب المعاناة الوطنية، وتحديداً ملف الاعتقال الإداري، الذي يُعتبر من أكثر السياسات الإسرائيلية تعسفاً وانتهاكاً لحقوق الإنسان.

بحسب نادي الأسير الفلسطيني يُعرّف الاعتقال الإداري بأنه احتجاز شخص دون توجيه تهمة محددة، وبأمر من قائد عسكري وبناءً على “ملفات سرّية” لا يُسمح للأسير أو لمحاميه بالاطلاع عليها.
يُعرض الأسير خلال ثمانية أيام على محكمة عسكرية شكلية، تصادق على الأمر دون أي محاكمة حقيقية.

تصاعد غير مسبوق بعد العدوان

منذ بداية العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023، شهدت السجون الإسرائيلية تصاعداً غير مسبوق في عدد المعتقلين الإداريين. وقالت مؤسستان فلسطينيتان تعنيان بشؤون الأسرى إن إسرائيل صعّدت بشكل لافت من إصدار أوامر الاعتقال الإداري حتى وصلت قرابة 9500 أمر منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وذكرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير أن “جريمة الاعتقال الإداري في تصاعد مستمر غير مسبوق تاريخيا، فمنذ بدء حرب الإبادة أصدر الاحتلال أكثر من 9500 أمر اعتقال إداري بين أوامر جديدة وأوامر تجديد.

وقالت المؤسستان إن “التحولات الهائلة على أعداد المعتقلين الإداريين ارتبطت بشكل أساس في مستوى حملات الاعتقال في الضفة بما فيها القدس، والتي طالت أكثر من 11 ألفا و500 حالة اعتقال شملت الفئات كافة”.

واستنادا لآخر معطيات المؤسستين يوجد حاليا 3398 معتقلاً إدارياً بين نحو 10 آلاف و100 أسير في السجون الإسرائيلية، بينهم 30 أسيرة، وأكثر من 90 طفلا أحدهم يبلغ من العمر 14 عاماً “ليشكل عدد المعتقلين الإداريين في سجون الاحتلال ما نسبته 33 بالمئة من مجمل عدد الأسرى والمعتقلين الكلي.

جذور الاعتقال الإداري

ترجع جذور هذا الإجراء إلى قانون الطوارئ البريطاني لعام 1945، الذي ورثه الاحتلال الإسرائيلي عن الانتداب. ومنذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، أصبح الاعتقال الإداري وسيلة عقاب جماعي.

وقد استخدمه الاحتلال بكثافة في الانتفاضة الأولى (1987–1994)، حيث أُصدر  18973 أمرًا إداريًا، ثم عاد التصعيد خلال انتفاضة الأقصى (2000–2007) بإصدار قرابة 18000 أمر اعتقال.

سُجّل أعلى عدد من الأوامر في الأعوام: 1988، 2006، 2007، حيث تراوح عدد الأوامر ما بين 2000-4000 أمر سنوياً.

خرق صارخ للقانون الدولي

يشير نادي الأسير إلى أن جميع المواثيق الدولية تؤكد أن سجن أي إنسان دون تهمة أو محاكمة، يُعدّ انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، ويمنح الضحية حق المطالبة بتعويض قانوني. ومع ذلك، تواصل إسرائيل هذه السياسة بلا حسيب أو رقيب.

صمود الأمعاء الخاوية

لم يقف المعتقلون صامتين على مدى عقود، خاضوا عشرات الإضرابات الفردية،

إلى جانب الإضراب الجماعي الشهير عام 2014 الذي استمر 62 يومًا، بالإضافة إلى مقاطعة المحاكم العسكرية، تعبيرًا عن رفضهم لهذا الظلم المستمر.

“كنت أعانق الموت قبل المحكمة”

نقل الأسير المحرر ناصر عياش معاناته خلال الاعتقال الإداري حيث اعتُقل أربع مرات، في كل مرة بمدة مختلفة: 6 أشهر، ثم 3، ثم 4، ثم 6 أشهر أخرى.

ويقول: “عانيت أنا وعائلتي من كل شيء من أبسط الحقوق مثل شربة الماء لم تكن متاحة. الاعتقال الإداري بعد الحرب أصعب، وكل شيء يتضاعف علينا نحن الأسرى وعلى أهالينا لا زيارات، لا علاج، لا نوم، ولا حتى طعام كافٍ”.

وعن لحظة الوقوف أمام المحكمة، وصف عياش الشعور قائلاً:”تشعر كأنك تعانق الموت! خليط من الخوف والأمل والأسئلة القاتلة: هل سأعود للمنزل؟ لماذا أنا هنا؟ هل سأموت خلف هذا الجدار؟”

ويختم عياش شهادته قائلاً:”رغم كل هذه المعاناة، لن ترهبنا سياسات الاحتلال، ولن تضعف عزيمتنا، نحن شعب الجبارين، وأملنا أقوى من الزنازين”.

الأمل لا يُعتقل

الاعتقال الإداري ليس مجرد سياسة قمعية، بل هو محاولة يائسة لاغتيال روح الفلسطيني وسحق حريته، لكن الأسرى وعلى رأسهم الإداريون، يواجهون هذا العزرائيل بصبرهم، بكرامتهم، وبإيمانهم الذي لا يُكسر.

هذه ليست مجرد صفحة في دفتر سجين، بل سطر في كتاب لا ينتهي إلا بسقوط الظالمين  كتاب عنوانه “الأمل”، وصفحاته تُكتب من خلف القضبان، وكل كلمة فيه تقرع جدران الزنازين حتى يسمعها العالم.