نابلس-المحرر-سجى أزعر-يتزايد الغموض حول مصير الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في قطاع غزة في ظل التصعيد العسكري المستمر من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وتضارب التصريحات الرسمية، مقابل تشديد الفصائل الفلسطينية على موقفها الرافض للاستجابة للضغوط الميدانية. في هذا السياق، تبرز تحذيرات خطيرة من تداعيات استمرار القصف الإسرائيلي على حياة الأسرى، وسط غياب أفق سياسي واضح للحل.
تقديرات غير مؤكدة واعتراف إسرائيلي بالتخبط
ذكرت صحيفة هآرتس العبرية، نقلًا عن مسؤول سياسي إسرائيلي رفيع، أن عدد القتلى بين الأسرى المحتجزين في غزة بلغ(36) أسيرًا من أصل (59) فيما لا يزال (21) أسيرًا على قيد الحياة، مع فقدان مصير اثنين آخرين. غير أن هذه الأرقام، بحسب المختص في شؤون الأسرى الإسرائيليين الأستاذ نهاد أبوغوش، لا تستند إلى معلومات مؤكدة، بل تم تجميعها من شهادات أسرى مفرج عنهم، وأشرطة فيديو ورسائل بثتها المقاومة، إضافة إلى تقارير عسكرية إسرائيلية أقرت بمقتل أسرى خلال عمليات نفذها الجيش.
ويؤكد أبوغوش أن هذه التقديرات، رغم أنها قد تقترب من الواقع، إلا أنها تعكس في جوهرها حالة من التخبط داخل إسرائيل، وتبقى عرضة للتغيير في ظل استمرار العمليات العسكرية، خاصة في ظل الإخلاء الجماعي لمناطق واسعة مثل رفح وشمال غزة وأحياء شرق المدينة، مثل الشجاعية والتفاح، وهي المناطق التي يُحتمل أن يوجد فيها عدد من الأسرى.
العدوان يقوّض فرص التفاوض
يؤكد الأستاذ أبوغوش أن استئناف العمليات العسكرية وتصعيدها، لا سيما في ظل نوايا التهجير المعلنة، يقوّض أي فرصة واقعية للتفاوض بشأن ملف الأسرى.
ويرى أن الحكومة الإسرائيلية لا تسعى حاليًا إلى استعادة الأسرى بقدر ما تركز على فرض وقائع جديدة في القطاع، تماشيًا مع طروحات الإدارة الأميركية السابقة التي دعت إلى التهجير، وجعل غزة غير قابلة للحياة أو لإعادة الإعمار.
ويشدد أبوغوش على أن هذا التوجه السياسي والعسكري، وإن كان يغلق باب المفاوضات، إلا أن السياسة تبقى دائمًا مفتوحة على مفاجآت، خاصة في حال بروز ضغوط داخلية إسرائيلية أو مؤشرات خارجية جدية، وهو أمر لا يبدو وشيكًا، لكنه ممكن.
قرار المقاومة بعدم نقل الأسرى تكتيك محفوف بالمخاطر
في ظل التصعيد الميداني، قررت الفصائل الفلسطينية عدم نقل الأسرى من أماكن احتجازهم رغم خطورة الوضع، وهو ما قد يبدو قرارًا مفاجئًا، لكنه في رأي أبوغوش نابع من إدراك المقاومة لصعوبة التحرك الميداني في ظل القصف الشامل، وخطورة النقل التي قد تفوق خطر البقاء في المكان.
كما أن هذا القرار وفقًا لأبوغوش يحمل أبعادًا سياسية ورسالة واضحة للمجتمع الإسرائيلي: “الحكومة هي المسؤولة الأولى عن مصير الأسرى”، في إشارة إلى أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية قد يودي بحياتهم.
ويضيف أن هذا التوجه يتقاطع مع العقيدة العسكرية الحالية لجيش الاحتلال، كما عبّر عنها قائد المنطقة الجنوبية الجديد يانيف عسور الذي اعتبر أن “القضاء على حماس” هو أولوية الجيش الأولى، بينما جاءت “استعادة الأسرى” في المرتبة الثانية، ما يكشف عن رؤية يمينية متطرفة لا تضع مصير الأسرى على رأس سلم الأولويات.
الملف الإنساني يتحول إلى ورقة سياسية
يقول أبوغوش إن ملف الأسرى لم يعد أولوية إنسانية أو عسكرية لدى الحكومة الإسرائيلية، بل أصبح ورقة سياسية داخلية يستخدمها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني الحاكم للبقاء في السلطة.
ويشير إلى أن استعادة الأسرى تعني عمليًا نهاية الحرب، وهو ما يخشاه نتنياهو، لأنه قد يفتح الباب أمام تشكيل لجنة تحقيق رسمية قد تحمله مسؤولية الإخفاقات العسكرية، ما يهدد مستقبل حكومته ويفتح الباب لانتخابات مبكرة قد تطيح به.
في حال فشل المفاوضات سيناريوهات أكثر ظلمة
يرى أبوغوش أن فشل المفاوضات سيدفع بملف الأسرى نحو مزيد من التعقيد، مؤكدًا أن الحكومة الإسرائيلية تستخدم هذا الملف لتبرير استمرار الحرب، بل لتبرير كل أنواع الاستهداف والتدمير، بما في ذلك لمراكز الإيواء والمستشفيات ومقار وكالة الأونروا.
ويحذر من أن استمرار هذا النهج، في ظل غياب ضغط دولي حقيقي، يجعل مصير الأسرى الإسرائيليين مهددًا أكثر من أي وقت مضى، فإسرائيل ـ كما يقول ـ “توعدت بفتح أبواب جهنم، وهي بالفعل قد فتحتها على الجميع، بمن فيهم الأسرى أنفسهم”.