الرئيسيةتحقيقات"أبواب مغلقة" خلف الأخبار الكاذبة

“أبواب مغلقة” خلف الأخبار الكاذبة

*”التضليل”سلاح احتلالي تنفذه “أجهزة استخبارية” لـ”شيطنة” شعبنا وكسر إرادته

*ذباب الكتروني يروج للرواية الاسرائيلية لإظهار الاحتلال بثوب “المظلوم” وشعبنا بصورة “المعتدي”

 

تحقيق: مي غزال ورانية دبابسة ونور شنابلة وأسيل صباح ولارا البكري

 

 

 

تنتشر الأخبار الكاذبة على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل دائم، لكن تزداد وتيرتها أثناء الحروب، لما لها من تأثير على توجيه الرأي العام ودفعه لسلوكيات معينة. منذ أحداث 7 تشرين الأول  ازدادت الأخبار الكاذبة المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل جهات احتلالية تسعى لتوجيه الرأي العام لصالحها، وتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية، وخفض معنويات الشعب الفلسطيني.

 

تورط في نشر خبر كاذب

الشاب رامي غزال خاض تجربة صادمة عندما وجد نفسه متورطًا في نشر خبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون أدنى درجة من التحقق من صحته، في أحد الأيام كان يعيش في حالة من الفزع والقلق بسبب الأحداث المتسارعة حوله، ما دفعه إلى نقل الخبر بسرعة دون التأمل الكافي.

لكن بعد وقت قصير، أصيب بصدمة حينما أدرك أن الخبر الذي نشره كان غير صحيح، وفي هذه اللحظة، شعر بالحرج والصدمة حيث أدرك أن قراره المتسرع قد أثر بشكل كبير على الرأي العام، وأن الناس اعتمدوا على تلك المعلومات.

تحدث غزال عن تجربته الصعبة وكيف أسهم دون قصد في نشر معلومات كاذبة، مؤكدًا على أهمية التفكير الدقيق والتحقق قبل نقل أي خبر. يشدد على أن تلك اللحظة كانت درسًا قيمًا حول مسؤوليتنا جميعًا في مجال نقل الأخبار، وكيف يمكن أن تؤثر تلك المعلومات على الرأي العام بشكل كبير.

الدعاية السوداء والأخبار الكاذبة

تعد الدعاية السوداء أداة قوية تستخدم في الحملات الإعلامية خلال النزاعات العسكرية، حيث يتم نشر معلومات مضللة وكاذبة هدفها توجيه الرأي العام وتشكيل التفاعل الاجتماعي. وتقدم الدعاية السوداء نمطاً مكملاً للأخبار الكاذبة، كما وتدرس تأثيراتها وأهدافها بشكل دقيق قبل نشرها.

أما بالنسبة للأخبار المضللة في الحروب فهي تلك الأخبار التي يتم توجيهها بشكل مُتعَمِّد لتضليل الرأي العام وتشويه الحقائق وتحقيق أهداف سياسية وعسكرية وتوجيه الرأي العام لصالح العدوّ، تميل الأخبار المضللة في الحروب إلى أن تكون مُلفقة أو مُبالغ فيها وتعتمد على تشويه الحقائق أو تقديم معلومات توحي بتفسيرات خاطئة وكل ذلك بهدف التأثير على الرأي العام.

من يقوم بنشر هذه الأخبار  قد يكونوا مواطنين يبثونها بحسن النوايا ولا يكون الهدف منها إلا الدعم المعنوي والنفسي وتوزيع الشعور بالإيجابية، وقد تكون جهات تنظيمية مثل: جهزة استخبارات. وأكد  المحلل المختص في الشؤون الإسرائيلية عزّام أبو العدس “أن الاحتلال له وحدة (8200) مهمتها صناعة وتوجيه الرأي العام، في المجتمعات العربية والقيام بالحرب النفسية”.

شواهد تشير إلى أن جهات أمنية وسياسية إسرائيلية تقف وراء الشائعات المنتشرة، إذ تستخدم هذه الجهات حسابات وهمية لإثارة الفتن بين فلسطين ودول عربية، كما تستخدم هذه الحسابات للترويج لشائعاتها ونشر الرعب، في إطار استراتيجية عسكرية وأمنية لهزيمة الفلسطيني.

ويقول المختص في مجال الإعلام الرقمي محمد أبو الرب، إن انتشار الشائعات يرجع أيضًا إلى توقع الشعوب لحدوث أحداث غير متوقعة، ما يجعلها تميل إلى تصديق الشائعات التي تؤكد هذا التوقع.

وأكد أبو الرب وجود الظاهرة المعروفة بـ”الذباب الإلكتروني”، موضحاً بعض الشواهد، ولكن دون وجود أدلة واضحة، فأشار إلى أن هناك جهات أمنية وسياسية، خاصةً إسرائيلية، تقف وراء الشائعات المنتشرة.

وأضاف أن الأمور لا تعتمد على إحصائيات ومعطيات ملموسة، لكن هناك شواهد تدل على وجود هذه الظاهرة، مثل انتشار الحسابات الوهمية. وقام بتوضيح الحملات الإعلانية الإسرائيلية التي تستخدم هذه الوسائل لنشر الرعب والترويج لأجنداتها. وأكد أن هذه الدعاية تستهدف تحفيز الناس على التفكير في مصالحها الشخصية وذاتها، وتروج للخوف والتخويف.

 

“الشائعات”..سلاح الحرب الإعلامية المضللة

تُعتبر الشائعات أحد الأساليب التي تُستخدم في صناعة الحروب الإعلامية المضللة، وتتم تسييرها عادةً من قِبَل جهات محددة، وخصوصًا في فترات النزاعات والحروب، وعادةً ما يكون الهدف الأساسي للإشاعة هو تحقيق سياسات لا يمكن تحقيقها بطرق مباشرة.

تتمثل طرق نشر الشائعات والأخبار الكاذبة في الاستناد إلى دراسات حول توقعات الجماهير وتفاعلها، ويعتمد نجاح انتشار هذه الأخبار على فهم دقيق للديناميات الاجتماعية والثقافية للجماهير المستهدفة، من خلال تحليل توجهات وتوقعات الجماهير بدقة، يمكن للجهات المنشئة للشائعات توجيه الرسائل بطريقة تتوافق مع تلك التوقعات وتستفيد من التفاعل الكبير للجمهور.

ويتيح فهم توقعات الجماهير للمنظمات والأفراد فرصة لزرع الشكوك ونشر المعلومات المضللة بطريقة تتناسب مع تلك التوقعات، ونظرًا للاستعداد الطبيعي للجماهير لاستقبال الأخبار التي تتناسب مع آرائهم أو مخاوفهم، يزيد التفاعل مع هذه الأخبار، سواء كان ذلك بتبنيها أو تداولها.

استخدم الاحتلال الاسرائيلي الأخبار الكاذبة لتحشيد المجتمع الدولي لتبرير عدوانهاد على قطاع غزة، واستغل تأثير الصدمة لنشر العديد من الشائعات والأخبار المفبركة والكاذبة.

 وأكد المحلل السياسي د.قصي حامد أن الأخبار الكاذبة ليست مقتصرة على دول معينة فحسب، وإنما يُمكن للشركات وحتى التجار استخدامها لتحقيق مصالحهم، مشيراً إلى أن الشائعات تستخدم لتمرير أجندات سياسية وتحقيق أهداف معينة لا يمكن تحقيقها بوسائل قانونية، وتستخدم أيضًا في الحرب النفسية لإخفاء الحقائق أو تضخيمها بطرق مبتذلة”.

الشعوب خلال فترات الأزمات والحروب تكون في حالة من الانفعال؛ ما يجعلها أكثر استعدادًا لتلقي الأخبار، وأكثر ميلًا إلى تصديق كل ما يتم تقديمه لها.

وتؤكد رنا صلاحات من مرصد “تحقق”  أن وتيرة تدفق المعلومات المضللة تزداد في مثل هذه الظروف، فمنصات التواصل الاجتماعي تلعب دوراً كبيراً في خلق بيئة خصبة لانتشارها، وهذه الأحداث تحظى بمتابعة كبيرة وفيها تفاصيل كثيرة وترقب من كل العالم، وموضوع “التريند” يخلق رغبة في نشر معلومات مضللة لكسب التفاعل.

حرية أم خوف؟!

حاول معدو التحقق التقصي حول مصادر الأخبار الوهمية التي انتشرت خلال الحرب الأخيرة على غزة، وبدأوا بالتواصل مع عدة جهات مختصة قامت بعملية تحقق لأخبار انتشرت على نطاق واسع خلال الحرب من خلال مواقع الأخبار (GPS)، وبعد التحقق والبحث من خلال مصادر موثوقة، تبين لنا أن تلك الأخبار لا تمت للحقيقة بصلة.

وفي محاولة لتحديد مصادر هذه الأخبار، قام معدو التحقيق بالتواصل مع خبير في مجال الإنترنت، وكانت توقعاتهم أن يقدم لهم إرشادات قيمة لتحديد المصدر والتحقق من صحة الأخبار، ومع ذلك، واجه  المحققون تحديات كبيرة في الحصول على أي معلومة من هذا الخبير، حيث رفض التحدث لهم دون تقديم أي أسباب لرفضه.

واصل فريق العمل رحلة التقصي بالبحث عن مختص آخر للوصول إلى معلومات أو طريق يُسهل عليهم فهم مصدر الأخبار . واجه الفريق مرة أخرى رفضًا، هذه المرة من قبل مسؤول مختص في الجرائم الإلكترونية، الذي رفض الكشف عن هويته وقدم لهم بعض المعلومات بشرط أساسي عدم الكشف عن اسمه أو أي معلومة تشير إلى هويته، والتي تؤكد وقوف جهات أمنية احتلالية وراء معظم الأخبار الكاذبة.

ماذا عن القوانين وفعاليتها؟

القوانين الفلسطينية قد تعاقب على نشر الشائعات، ولكن يظل من الصعب على الأفراد اللجوء إلى القضاء في قضايا الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتتناول القوانين عادةً مكافحة الشائعات في سياق الشأن الداخلي، ولكن تظهر التحديات في تطبيق هذه القوانين، خاصة في ظل الطابع الدولي للتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وبالحديث عن القوانين الفلسطينية، تعتبر وحدة الجرائم الإلكترونية أن ما يتم نشره من أخبار كاذبة ومضللة هي جريمة يحاسب عليها القانون . المادة (22) من القرار بقانون رقم (10) لسنة 2018م بشأن الجرائم الإلكترونية الفلسطيني تنص على أنه “يحظر التدخل التعسفي أو غير القانوني في خصوصيات أي شخص أو في شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته”.

 وفي هذا السياق تطرق المحامي أسامة صباح  إلى الموضوع بقانونين، قانون الجرائم الالكترونية، الذي يحمل الرقم (10)، لسنة 2018م، وهذا يطبق في حالة  نشر الأخبار الكاذبة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى قانون العقوبات الفلسطيني الذي يحمل الرقم(16)، لسنة 1960م، المادة (130)و(131)و(132)، والمطبق وساري النفاذ في الضفة الغربية، وقانون العقوبات المطبق في قطاع غزة والذي يحمل الرقم(74)، لسنة 1936م، في المادة(62).

يعتقد د. أبو الرب أن  القوانين السائدة في أي دولة لا يمكن لها مكافحة ظاهرة ” الدعاية  أو التضليل” لأن من يقف وراءها  غالبًا ما يكون مجهول الهوية، وتقديم إثباتات حول المتورطين فيها قد تكون صعبة للغاية، خاصة عندما يتعلق الأمر بإنشاء حسابات وهمية. ويقول”هذا الأمر يمكن أن يظل غامضًا وصعبًا للغاية لتحديد هوية الشخص الذي يقف وراء هذه الأنشطة، إلا إذا تم الكشف عنه باستخدام وسائل تقنية متقدمة أو بفضل الكشف عن هويته بشكل علني”.

كيف تؤثر الأخبار على الرأي العام في الحروب؟  

تعمل الأخبار الكاذبة خلال الحروب على زيادة حدة التوتر وتشويش صورة الأحداث، وتحريك الرأي العام باتجاهات معينة، وقد تسهم في تأزيم الوضع وتأجيج التوترات بين الأطراف المتنازعة، ويمكن أن تؤدي هذه الأخبار إلى تأثير سلبي على الجهود الدبلوماسية والمفاوضات لحل النزاعات.

حيث قد تُستخدم هذه الأخبار كوسيلة لتضليل الجمهور بشكل مستمر يستغل الأطراف المتحاربة وحتى الجماعات المتطرفة الأخبار الزائفة لتبرير أفعالها، وتشويه صورة العدو، أو تحقيق أهداف سياسية أخرى.

الأخبار الكاذبة تلعب دوراً كبيراً، وحتى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، حذرت المسلمين من موضوع الحرب النفسية، وموضوع الأخبار الكاذبة، والتي لها دور كبير في صناعة الرأي العام.

 وبين أبو العدس “إذا تم ضخ كمية هائلة من الأخبار الكاذبة باتجاه وجهة نظر معينة، وتم التسويق لها بنسق واضح، يمكن أن تصنع رأياً عاماً باتجاه هذه القضية”.

 ويضيف”هناك تجارب كثيرة مثل هذه الحالة، والآن في العصر الحديث أصبح الرأي العام يتم صناعته وهندسته”، مدللاً على ذلك خبر استشـهـاد الشاب مجد السعدي برصاص قوات الاحتلال في مدينة جنين، في مثل هذه الحالات إما يتم نشر الاسم لأن هناك تشابه أو تقارب لمثل هذه الأسماء، وبالتالي يحدث هناك أخطاء بسبب عدم دقة المعلومات، وقد تستخدم مثل هذه الأخبار لإرهاب المطلوبين للاحتلال الإسرائيلي وتسليم أنفسهم أو للكشف عن مواقعهم”.

من خلال التواصل مع الباحث والأكاديمي في العلوم السياسية والاقتصاد السياسي الدكتور ابراهيم ربايعة، أكد أن ” الحرب السيبرانية أصبحت جزءاً من الحرب،  من خلال استخدام كل الأدوات المتاحة ومنها التزييف العميق، وترويج الأخبار الكاذبة، والحسابات الإلكترونية التي تروج ذلك”.

وبين ربايعة أن” إسرائيل بهذه الحرب، عقدت استثمارات وشراكات مباشرة مع شركات هندية من أجل الترويج لروايتها، وتصنيع الأخبار الكاذبة والإغراق  المعلوماتي بهذا الإطار، وهذا كان مباشراً، لكن الذكاء الإصطناعي، والأدوات المعاصرة سمحت بتفنيد هذه الرواية وتفكيكها”.

 ولفت ربايعة إلى أنه “من الواضح أن الأخبار الكاذبة متصلة بمنصتين المنصة التقليدية، وهي الإعلام التقليدي، والمنصة الثانية، المنصة الرقمية”.

ويقول”على مستوى المنصة التقليدية، يتم الحديث عن  سيطرة للرواية الإسرائيلية، وقدرة على ترويج الأخبار الكاذبة، كون هذا الموضوع يرتبط بالأعمال والاقتصاد المرتبط بوسائل الإعلام التقليدية بالغرب، أما على المنصات الرقمية، ورغم المحاولة في  استثمار الشراكة مع الهند بهذا الإطار، إلا أنها فشلت وأتت بنتائج معاكسة”.

ويضيف”الأهداف الرئيسية لنشر الأخبار الكاذبة في الحرب هو الانتصار لرواية على حساب أخرى وشيطنة الخصم، بالعادة من يقف وراء هذه الأخبار هي الدول أو أطراف الحرب”.

وأضاف ربايعة أنه”عندما نتحدث عن هندسة الجمهور، ونتحدث عن الاستخدام للأدوات الرقمية في فهم الدبلوماسية المعاصرة، نحن نتحدث عن تحول بمفهوم العلاقات الدولية وأدواتها ونتائجها، وبالتالي الدوافع الأساسية للأخبار الكاذبة هي دوافع سياسية، سواء بالتأثير على الرأي العام أو التأثير على صناع القرار”.

ويتابع” لاحظنا بداية هذه الحرب تأثير الرواية بشكل مباشر أو تأثير الأخبار الكاذبة الإسرائيلية على صانع القرار الأمريكي، حيث استخدمها عدد من المسؤولين الأميركيين في مؤتمراتهم الصحفية”.